



| تاريخ المنطقة |
|
|
صفحة 1 من 3 دراسة تاريخية تعد منطقة حارم - بجبالها ووفرة مياهها وخصوبة أرضها- موقعاً مثالياً للاستيطان البشري لكن الدراسات الأثرية مازالت قاصرة حتى اليوم في تحديد فترات الاستيطان منذ عصور ماقبل التاريخ إلى اليوم بشكل علمي ومنهجي دقيق، ويمكن أن نشير إلى وجود عدد من الكهوف والمغاور ضمن منطقة (الحبيس) الواقعة على بعد نظري حوالي/1كم/ إلى الجنوب الشرقي من القلعة، حيث تطل هذه الكهوف على واد تجري مياهه خلال موسمي الشتاء والربيع، وتتشابه هذه الكهوف مع كهوف منطقة يبرود التي احتضنت استيطان بشري من العصر الحجري القديم ( Paleolithic ) ، ولذلك يمكن أن نخمن وجود استيطان قديم في منطقة الحبيس، لكن أعمال المسح الأثري والدراسات الميدانية هي الوحيدة الكفيلة بتأكيد أو نفي هذه النظرية. وتعتبر منطقة حارم مقاطعة واقعة تحت نفوذ مملكة ألالاخ التي كشف عن موقعها في (تل العطشانة)، ولسوء الحظ فإن المعلومات الواردة عن المنطقة في فترات عصور البرونز والحديد قليلة جداً، إلا أن هناك بعض الدلائل البسيطة - التي أشارت إليها الكسر الفخارية وشظايا الأدوات الصوانية – إلى وجود استيطان بشري يعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد،كما أشارت بعض الكسر الفخارية في القلعة لفترات استيطانية تعود إلى القرن السادس قبل الميلاد أي فترات السيطرة الإخمينية على شمال بلاد الشام.
أما في العصور الكلاسيكية فهناك معطيات أثرية أفرزتها بعض المدافن المتفرقة والمنهوبة ضمن أراضي وبساتين وكروم واقعة شمال حارم عند المنطقة الحدودية، وتشير النظرة الأولية لهذه المدافن أنها تؤرخ إلى فترات زمنية متعاقبة (هلنستية-رومانية-بيزنطية)، ولابد من التركيز على الحقبة البيزنطية (فترات القرنين 5-6م) كون المنطقة شهدت انتشار عدد كبير من الكنائس والأديرة التي تعود بغالبيتها للطوائف المسيحية السريانية والأرمنية التي سكنت في مناطق حارم بكثافة في تلك الحقبة، ولازالت آثار العديد من تلك المواقع قائمة حتى اليوم في الجبال المحيطة بحارم من الجهة الشرقية حيث نذكر بعضاً منها: - طورلاها: وهي تسمية سريانية تعني(جبل الإله)، تحوي بقايا لدير وكنيسة وعدد من الفيلات والمزارع تؤرخ إلى فترات القرنين(5-6م).
- معرمايا: وهي أيضاً تسمية سريانية تعني (بلدة الينابيع)، يكتسب هذا الموقع أهمية كبيرة، ويشتمل على مجموعة من الخرائب لعدد من الكنائس والفيلات بالإضافة إلى مبنى الدير ودار للضيافة (Andron) ونزل صغير.
- النورية: وهي مجمع كبير يحتوي على بقايا لكنيسة مستطيلة الشكل ذات حنية نصف دائرية(Apse)، بالإضافة إلى دار الضيافة (Andron) وعدد من الفيلات وورش تصنيع النبيذ التي ألحقت بها مستودعات ضخمة منحوتة بالصخر.
أما المواقع المسيحية في مدينة حارم نفسها، فهي منتشرة ضمن قطاعات ثلاث:
- القطاع الأول: يقع شمال المدينة عند الشريط الحدودي، ولا زال يحتفظ بتسميته القديمة إلى اليوم (دير الرهبان)، ولاتزال بقايا معاصر الزيتون والنبيذ واضحة للعيان في أحد كروم الزيتون في هذه المنطقة، والتي أدرجت ضمن نطاق البحث الأثري والتاريخي من قبل البعثة الأثرية الوطنية في حارم.
- القطاع الثاني: وهو المنطقة الواقعة جنوب القلعة حيث كروم الزيتون المنتشرة على هضبة صخرية تحوي في أعلاها على بقايا لدير كبير وكنيسة ذات مخطط بازيليكي (Basilica) تم تغطية أرضيتها بلوحة من الفسيفساء (الموزاييك Mosaic)، وألحق بهذا الدير مدافن للرهبان التي نحتت بالصخر على شكل نواويس موزعة على المحيط
الداخلي لجدران المدفن، الذي يتم الدخول إليه عن طريق باب ينفتح في منتصف الضلع الشمالي.
- القطاع الثالث: وهو القلعة التي تحتوي بأبنيتها ومنشآتها على العديد من العناصر الإنشائية المزخرفة (تيجان-أعمدة-سواكف-عضادات....) تعود إلى القرن السادس الميلادي، ويشير التشابه الكبير بين هذه العناصر ومثيلاتها في مواقع الكنائس والأديرة - المنتشرة في المناطق المجاورة- إلى وجود مبنى ذو صبغة دينية في القلعة(كنيسة أو دير)، ويبقى تأكيد ذلك مرهوناً بنتائج التنقيبات الأثرية في مواسم الحفريات القادمة.
قلعة حارم
قبل الخوض في تاريخ القلعة ومراحل بنائها، لابد من إلقاء الضوء على تسمية (حارم) التي أشارت المصادر التاريخية إلى وجود أقدم وثيقة ذكرت حارم باللغة السريانية الآرامية، والتي تعود إلى القرن السابع الميلادي باسم ( حرم HRM ) وتعني بالسريانية (الحرام) أو المنذور، وقد ذكر (ياقوت الحموي) في كتابه معجم البلدان أن ) : لفظة حارم إن كانت عربية فهي مشتقة من الحرمان لحصانتها في وقت عمرانها، وكأنها لحصانتها يحرم على العدو تدنيسها، وتكون حراماً لما فيها) وقال أيضاً: ( حارم حصن حصين وكورة جليلة تجاه أنطاكية، وهي الآن من أعمال حلب، وفيها أشجار كثيرة ومياه) ، وقد أطلق عليها الفرنجة أيام الحروب الصليبية ( Cast rum Harrench ) أي حصن حارم.
لمحة تاريخية عن القلعة
يذكر الشيخ (كامل الغزي) في كتابه نهر الذهب أن:( حارم كانت قبيل الفتح الإسلامي (صيرة) وهي الحظيرة التي تحوط بالمواشي، ودامت على ذلك في صدر الإسلام)، وقد فتحت القلعة في عام(17هجري/637م) على يد أبو عبيد بن الجراح، الذي انطلق منها باتجاه انطاكية لفتحها، بعد أن ولى (معاوية بن أبي سفيان) على حارم سنة/21هجري/، واستمرت القلعة ضمن قلاع الثغور والعواصم حتى وفاة (سيف الدولة الحمداني)، إلا أن البيزنطيين استغلوا وفاة سيف الدولة، فقام الامبراطور(نقفور فوكاس الثاني) بالاستيلاء على حصن حارم عام/978م/ فزاد على عمارته وتحصيناته، واستمرت بيد البيزنطيين إلى أن جاء السلاجقة الأتراك بقيادة (سليمان بن قتلمش) فحررها مع أنطاكية، وعهد بهما إلى الأمير (ياغي سيان) .
بقيت القلعة بيد المسلمين إلى أن حاصرها الفرنج عام/1098م/ بقيادة ( تنكريد ) الذي احتلها بعد حصار دام تسعة أشهر، وبقيت القلعة بيد الفرنج حوالي خمسين عاماً زادوا في تحصيناتها وعمارتها لتشكل خطاً دفاعياً عن أنطاكية.
وفي عام (559هجري/1164م) استطاع ( نور الدين الزنكي) تحريرها وأقطعها لأخيه بالرضاعة(مجد الدين أبي بكر بن الداية) ووضع فيها منارتين تشتعلان طوال الليل لهداية أسرى المسلمين الفارين من أيدي الفرنج، وبعد وفاة مجد الدين، تسلم القلعة أخوه(بدر الدين حسن بن محمد بن الداية) الذي بقيت معه حتى وفاة نور الدين الزنكي عام (569هجري/1173م)، وقد خلفه ابنه( الملك الصالح اسماعيل بن نور الدين) الذي أقطعها لمدبر دولته(سعد الدين كمشتكين)،إلا أن كمشتكين تمرد على الملك الصالح وأراد تسليم القلعة للفرنجة مقابل مال وفير بعد أن أطلق سراح أسراهم من زمن نور الدين، لكن الملك الصالح استطاع دخول القلعة وقتل سعد الدين كمشتكين عام/573هجري/ وولى عليها غلام لأبيه يدعى(سرخك) الذي استمرت في يده بعد وفاة الملك الصالح.
وبعد أن وصل (صلاح الدين الأيوبي ) حلب في عام(579هجري/1183م) طلب حارم من سرخك مقابل إقطاع كبير، إلا أن الأخير رفض ذلك محاولاً الاستعانة بالفرنجة لصد زحف صلاح الدين، إلا أن مجموعة من قادة الجند في القلعة قبضوا على سرخك وأرسلوا لصلاح الدين وسلموه القلعة حيث ولى عليها (إبراهيم شروة).
وفي زمن حكم (الملك الظاهر غازي بن صلاح الدين) عام/589هجري/ أقطعها لمملوك اسمه (الأسد أقطفان) حكمها حتى وفاة الظاهر غازي عام/613هجري/.
لقد شهدت القلعة اهتماماً خاصاً زمن الأيوبيين، فقد اهتم بها صلاح الدين سياسياً وإدارياً، بينما اهتم بها الظاهر غازي عمارةً وتحصيناً، حيث اتخذت القلعة في زمنه شكل الحصن الإسلامي الأيوبي الذي نراه اليوم، فقد أعاد الملك الظاهر غازي تحصين الأسوار وبنى برج المدخل وأضاف إليها العديد من الأبراج والأبنية داخل القلعة والمستودعات والصهاريج .....
وبعد وفاة الملك الظاهر تولى السلطة ابنه(الملك العزيز محمد بن غازي )، الذي ولى حارم لمملوك اسمه(القرعوني) بقي فيها حتى وفاته.
ولابد أن ننوه إلى أن حارم - إلى جانب كونها حصناً أيوبياً منيعاً- قد شكلت متنزهاً ومنتجعاً للسلاطين الأيوبيين خاصة الملك الظاهر غازي وابنه العزيز محمد الذي ابتنى لنفسه جوسقاً(متنزهاً) تحته نهرٌ جارٍ وبستان، وكان يخرج منه للعب الصولجان ورمي البندق(16). ولم تلق القلعة اهتماماً يذكر في العهد المملوكي، وقد دمرها هولاكو عام(658هجري/1260م) وقام بقتل سكانها وتدميرها وحرق مزروعاتها، وذلك في نفس الوقت الذي كان فيه (الظاهر بيبرس) يقود معركة (عين جالوت) التي انتصر فيها على المغول انتصاراً حاسماً، وآلت حارم إلى حكم السلطان المملوكي (قلاوون) عام(682هجري/1283م) بموجب الهدنة التي وقعها مع فرنج عكا، بيد أن القلعة تعرضت للتدمير مرة أخرى على يد التتر بقيادة (تيمورلنك) سنة(803هجري/1400م)، بعد ذلك أهملت زمن العثمانيين منذ القرن (16م)، وقد مرت بها جيوش(إبراهيم باشا) عام/1832م/، وفي العصر الحديث تحصنت فيها قوات الاحتلال الفرنسي أثناء الثورات اتسورية التي كانت على أشدها في منطقة حارم بزعامة المجاهد(إبراهيم هنانو). |

771801 أو 0999521729
farook222@gmail.com